محمد بن جرير الطبري

86

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : وأخذ الأعمى فقال : لترجعن أو لأقتلنك ؛ قال : فأبى الأعمى ، فوضع المنشار على هامته ، فشقه حتى بلغ الأرض ، ثم قال للغلام : لترجعن أو لأقتلنك ؛ قال : فأبى ؛ قال : فقال : اذهبوا به حتى تبلغوا به ذروة الخيل ، فإن رجع عن دينه ، وإلا فدهدهوه ، فلما بلغوا به ذروة الجبل فوقعوا فماتوا كلهم . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك ، فقال : أين أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله قال : فاذهبوا به فاحملوه في قرقور ، فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فغرقوه قال : فذهبوا به ، فلما توسطوا به البحر قال الغلام : اللهم اكفنيهم ، فانكفأت بهم السفينة . وجاء الغلام يتلمس حتى دخل على الملك فقال الملك : أين أصحابك ؟ فقال : دعوت الله فكفانيهم ، قال لأقتلنك ، قال : ما أنت بقاتلي حتى تصنع ما آمرك ، قال : فقال الغلام للملك : اجمع الناس في صعيد واحد ، ثم اصلبني ، ثم خذ سهما من كنانتي فارمني وقل : باسم رب الغلام ، فإنك ستقتلني ؛ قال : فجمع الناس في صعيد واحد ؛ قال : وصلبه وأخذ سهما من كنانته ، فوضعه في كبد القوس ، ثم رمى ، فقال : باسم رب الغلام ، فوقع السهم في صدغ الغلام ، فوضع يده هكذا على صدغه ، ومات الغلام ، فقال الناس : آمنا برب الغلام ، فقالوا للملك : ما صنعت ، الذي كنت تحذر قد وقع ، قد آمن الناس ، فأمر بأفواه السكك فأخذت ، وخد الأخدود وضرم فيه النيران ، وأخذهم وقال : إن رجعوا وإلا فألقوهم في النار ؛ قال : فكانوا يلقونهم في النار ؛ قال : فجاءت امرأة معها صبي لها ، قال : فلما ذهبت تقتحم وجدت حر النار ، فنكصت ، قال : فقال لها صبيها يا أماه ، امضي فإنك على الحق ، فاقتحمت في النار " . وقال آخرون : بل الذين أحرقتهم النار هم الكفار الذين فتنوا المؤمنين . ذكر من قال ذلك : حدثنا عن عمار ، عن عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : كان أصحاب الأخدود قوما مؤمنين ، اعتزلوا الناس في الفتر ، وإن جبارا ، من عبدة الأوثان أرسل إليهم ، فعرض عليهم الدخول في دينه ، فأبوا ، فخد أخدودا ، وأوقد فيه نارا ، ثم خيرهم بين الدخول في دينه ، وبين إلقاءهم في النار ، فاختاروا إلقاءهم في النار ، على الرجوع عن دينهم ، فألقوا في النار ، فنجى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار من الحريق ، بأن قبض أرواحهم ، قبل أن تمسهم النار ، وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم ، فذلك قول الله : فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ في الدنيا . واختلف في موضع جواب القسم بقوله : وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ فقال بعضهم : جوابه : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : وقع القسم هاهنا إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وقال بعض نحويي البصرة : موضع قسمها والله أعلم ، على قتل أصحاب الأخدود ، أضمر اللام كما قال : وَالشَّمْسِ وَضُحاها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها يريد : إن شاء الله : لقد أفلح من زكاها ، فألقى اللام ، وإن شئت قلت على التقديم ، كأنه قال : قتل أصحاب الأخدود ، والسماء ذات البروج . وقال بعض نحويي الكوفة : يقال في التفسير : إن جواب القسم في قوله : قُتِلَ كما كان قسم وَالشَّمْسِ وَضُحاها في قوله : قَدْ أَفْلَحَ هذا في التفسير قالوا : ولم نجد العرب تدع القسم بغير لام يستقبل بها أو " لا " أو " إن " أو " ما " ، فإن يكن ذلك كذلك ، فكأنه مما ترك فيه الجواب ، ثم استؤنف موضع الجواب بالخبر ، كما قيل : يا أيها الإنسان ، في كثير من الكلام . وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب : قول من قال : جواب القسم في ذلك متروك ، والخبر مستأنف لأن علامة جواب القسم لا تحذفها العرب من الكلام إذا أجابته . وأولي التأويلين بقوله : قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ لعن أصحاب الأخدود